السيد كمال الحيدري

129

فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)

لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) « 1 » إذاً الحكومة شأن من شؤون الأنبياء ، وهى من أحكام النبوّة العامّة وغير مختصّة بنبىّ دون نبىّ آخر . والسرّ في ذلك يكمن في أنّ إقامة العدالة الاجتماعية التي هي من أهمّ أهداف الدين ، لا يمكن أن تتحقّق من دون حكومة ، فلا نتعقّل ديناً من دون حكومة ؛ ولذلك عندما نأتى إلى مسألة إمامة وزعامة أمير المؤمنين عليه السلام يأتي الخطاب الإلهى : ( بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) « 2 » ؛ لأنّ الدين بلا إقامة الحكم والعدل الاجتماعي ليس بدين . فمع عدم وجود الحاكم والمطبّق والمنفّذ والزعيم ، فلا يصل الدين إلى هدفه المنشود الذي خُلق الإنسان لأجله . وهذا هو خطّ الأنبياء عليهم السلام الحافل بالشواهد الواضحة الدالّة على سعيهم عليهم السلام لإقامة العدل والقسط بين الناس بواسطة القوة والحديد الذي فيه بأس شديد ؛ قال تعالى : ( وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) « 3 » . وقال تعالى : ( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ ) « 4 » . وقال تعالى : ( اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا

--> ( 1 ) المائدة : 47 45 . ( 2 ) المائدة : 67 . ( 3 ) يوسف : 21 . ( 4 ) البقرة : 251 .